يُعَدُّ كتاب الكامل في التاريخ للمؤرخ الكبير عزّ الدين ابن الأثير الجزري (ت 630هـ) من أمهات كتب التاريخ العام في التراث الإسلامي، وأحد أبرز المصنفات الجامعة التي أرَّخت لمسيرة التاريخ منذ بداياته وحتى عصر المؤلف، بمنهجٍ علمي دقيق، وترتيبٍ زمني محكم، ونظرة نقدية واعية للروايات والأخبار.
وقد حظي هذا الكتاب بمكانةٍ علمية رفيعة لما امتاز به من سعة المادة التاريخية، ودقة النقل، والأمانة في التدوين، حتى أصبح مرجعًا أساسيًا في الدراسات التاريخية، واعتمدته أجيال من المؤرخين بوصفه من أوثق مصادر التاريخ الإسلامي وأكثرها شمولًا.
أما مؤلفه ابن الأثير، فهو من كبار مؤرخي الإسلام، عُرف بسعة اطلاعه، وحسن اختياره للمصادر، وقدرته على الجمع بين الرواية والتحليل، مع إضافاتٍ أصيلة، ولا سيما في أحداث القرنين السادس والسابع الهجريين التي عاصر جانبًا مهمًا منها، مما أكسب كتابه قيمةً علميةً عالية ومصداقيةً راسخة.
وانطلاقًا من هذه الأهمية، جاء هذا العمل في تحقيق ودراسة الكامل في التاريخ ثمرةَ جهدٍ علمي جماعي قامت به دار ابن كثير، من خلال فريق من العلماء والمحققين المتخصصين المعروفين بالضبط والكفاءة والمنهجية العلمية الرصينة. وقد اعتمد التحقيق على أجود النسخ الخطية المتاحة، مع المقابلة الدقيقة بينها، وضبط النص، وتصحيح ما وقع في بعض الطبعات من أخطاء أو تصحيف.
وقد استغرق إنجاز هذا المشروع سنواتٍ من العمل المتواصل والتأني العلمي، حتى خرج في صورةٍ محققةٍ موثوقة، مدعومة بدراسة علمية تُبرز منهج ابن الأثير وقيمة كتابه في تاريخ الكتابة التاريخية الإسلامية.
ويصدر هذا العمل في نحو تسعة عشر مجلدًا ليقدّم للمكتبة العربية والإسلامية طبعة علمية معتمدة لأحد أهم كتب التاريخ، تليق بمكانته ومكانة مؤلفه، وتخدم الباحثين وطلاب العلم، وتسهم في إحياء التراث التاريخي على أسسٍ علمية راسخة.